| بقلم: د.رباح حلبي, 26-11-2009 16:38 |
الكاتب من أبناء الطائفة المعروفية، لبناني، من مواليد كفرفاقود- قضاء الشوف. أنهى دراسته الابتدائية في بيروت، ومن ثم تابع دراسته في المدرسة الداودية في عبيه. مارس مهنة التدريس لأكثر من أربعين سنة. وبجانب ممارسته لمهنته، كان قارئاً ومثقفاً وألّف الكتب: مناهل الحكماء والأولياء، مآثر الإعلام الموحدين، الشرق مهد الحضارات :أرض الرسل، والكتاب الذي بين يدينا. وألّف السيد زهر الدين الكتاب الأخير سنة 2005 عندما كان عمره 82 عاماً. يخوض الكاتب أحد المواضيع الشيقة – التقمص- والذي يدور الجدل حولها دائماً وأبداً، فهناك من يؤمن بالتقمص وهناك من ينفي وجود هذه الظاهرة بشدة، ولا وجود للمساحة الرمادية إزاء هذا الموضوع. أما الكاتب فيؤمن بالتقمص بكل حواسه (كيف لا وابنه من هؤلاء الذين نطقوا)، وهو يحاول من خلال الكتاب برهان ما يصعب برهانه وإقناعنا بوجود ظاهرة التقمص. يجمع زهرالدين في كتابه بين العلم والغيبيات، بين الدين والدنيا، بين العقل الواعي واللاواعي، وهو يظهر تمرساً تاماً في كل هذه الأمور، خاصةً في الأديان السماوية، وحتى في تلك البوذية والهندوسية. يعتمد الأستاذ زهر الدين المراجع العديدة في غور سبر هذا الموضوع الشائك، حتى يبدو إنه لم يترك كتابا عن التقمص حتى قرأه (وهنالك كتب عديدة في الموضوع). إحدى النقاط التي يحاول أن يبرهنها أستاذنا من خلال تلك المراجع، أن ظاهرة التقمص لا تقتصر على الطائفة المعروفية، فيقول إن معظم سكان العالم عملياً يؤمنون بالتقمص مع الفروق الطفيفة بينهم. فمئات الملايين يؤمنون بالتقمص في الهند والصين وسائر بلدان شرق آسيا (وذلك نعرفه)، ولكنه ينقل عن مصادره المتعددة أن هذا الإيمان موجود أيضاً في "ألاسكا" بين سكان الأسكيمو وخاصة عند قبيلة "تلنجيت". وكذا عند الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، وفي وسط أمريكا خاصة عند قبائل "الانكا"، وعند الاستراليين الأصليين. حسب الإحصائيات التي يقتبسها الكاتب هنالك حوالي 20% من المسيحيين في أمريكا الشمالية وأوروبا يؤمنون بالتقمص. أما السبب للتقمص وانتقال الروح من جسد لآخر، فيعزوه شيخنا إلى العدالة الإلهية، حيث يتيح بذلك لكل روح المرور في التجربة عدة مرات حتى يحين وقت الحساب. ويضيف ويقول إن كل الديانات في العالم تؤمن بوجود الروح، إذاً من المنطقي إن تنتقل هذه الروح من قميص إلى آخر، من جسد إلى جسد. وبالنسبة للسؤال إلى أين تذهب الأرواح بعد الموت؟! وبالنسبة لزيادة البشر في العالم الذي نعيش فيه، فجوابه هو إن هناك كواكب عديدة يعيش عليها الإنسان، ولذلك ما يزيد هنا ينقص هناك وبالعكس. وهنا أقول إن هذا الإدعاء كان الأضعف بين جميع المواضيع التي خاضها الشيخ زهر الدين، ربما لكونه يخفي ما يخفيه، صوناً للدين واحتراماً لرجال الدين. بين دفتي الكتاب يقص الكاتب علينا مئات من حالات التقمص. قلةً منها حدث في بلاد العالم المختلفة، من ضمنها أوروبا، ومعظمها حدث في القرى الدرزية في لبنان، مسقط رأس الكاتب حيث نقل تلك الوقائع عما سمعه من رجال دين محترمين، وبعضها القليل مما شهد عليها بنفسه، مثل حالة تقمص إبنه البكر كما سبق وذكرنا. وجميع تلك القصص تقص حالات تقمص دروز عند دروز باستثناء اثنتين، حيث يتقمص صحافي من سوريا شخصية رجل ياباني (بوذي) وسيدة من لبنان شخصية امرأة هندية (هندوسية). ويمكن ضم تلك الحالتين للحالات السابقة (اللي بيعرف بيعرف ...)، ولذلك نبقى بعد قراءة الكتاب أمام أكبر معضلتين بالنسبة للتقمص في المذهب التوحيدي، وهو كون الدروز يتقمصون دروزا فقط، وقضية التزايد المضطرد في سكان الكرة الأرضية. هذا الكتاب كما سبق وذكرنا شامل وزخم وشيّق، فيخوض كاتبه ظاهرة كانت قبل عدة سنوات بمثابة "طابو" عند الطائفة المعروفية، وهو يفعل ذلك بجرأة وعمق، ولكن جرأته تقف عند تلك النقطتين وتتراجع، وأنا أيضاً سوف لا أتعدى الحدود الذي وضعها زهر الدين لنفسه في هذه المرحلة على الأقل. رغم ذلك، فالكتاب مهم، بل مهم جداً ولو بسبب تأكيد مسألة أن ظاهرة التقمص ليست حكراً على الدروز وحدهم، بل هي ظاهرة كونية، ويتعاطاه كثير من الباحثين في الغرب والشرق، يكفي لو أذكر هنا كتاب أُصدر سنة 1999 للباحث المشهور في هذا الموضوع "ستيفنسون" الذي، دوّن في كتابه عشرين حالة تقمص، واحدة فقط عند أبناء الطائفة المعروفية الدرزية في لبنان!
|