| بقلم: د.رباح حلبي, 20-11-2008 16:06 |
"لا شك أن المعركة الرئيسية في العملية الامبريالية تدور، طبعًا، من أجل الأرض! لكن حين يؤؤل الأمر إلى مسألة من كان يملك الأرض، ويملك حق استيطانها والعمل عليها، ومن ضمن استمرارها وبقائها... فان هذه القضايا حسمت أيضًا لزمنها، في السرد الروائي... ". هذا ما قاله المفكر العملاق ادوارد سعيد في كتابة الثقافة والامبريالية. وكأنه يصف في تلك الأقوال حالة اغتصاب الحركة الصهيونية للأرض الفلسطينية، ومن ثم تسويغ ذلك الاغتصاب في سرديات فرضتها على المنطقة والعالم بأكمله.
إحدى ركائز هذه السرديات الأساسية هو حق اليهود على هذه الأرض، وذلك لأنهم طُردوا منها قبل الفي عام على يد الإمبراطورية الرومانية إلى بابل، وما يسمى بسبي بابل. يتعامل أغلبنا مع هذه المقولة كحقيقة، وما بقي لنا أن نناقش هل الحق على الأرض يُحفظ لأصحابها لآلاف السنين، ونحاول ايضاً دحض هذا الادعاء بذلك أنه سكن الكنعانيون قبل اليهود على هذه الأرض، وأن الشعوب تنتقل على مر التاريخ ولا يجوز أن يعود من شاء له متى شاء له ليطرد من يعيش على الأرض في الحاضر.
يجيء المؤرخ البروفسور شلومو زاند في كتابه الاستثنائي والجريء:"متى وكيف ابتدع الشعب اليهودي؟"، والذي أُصدر في اللغة العبرية قبل أشهر، ليدحض هذا الادعاء على سبي بابل من اساسه، ويبرهن أن الرومان هدموا الهيكل الثاني وقتلوا بعض اليهود لكن لم يطردوهم من المنطقة. ويضيف زاند إن هذه المعلومة يعرفها كل المؤرخين اليهود، حتى هؤلاء الصهاينة منهم الذين كتبوا التاريخ لصالح الحركة الصهيونية وأهدافها. لكن هؤلاء المؤرخين غضوا الطرف عن الموضوع، كي يتسنى لهرتسل ومن بعده لبن غوريون واعوانه استغلال هذا الخطاب لإقامة دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني.
يقول المؤلف في كتابه:" "المهجرون أو اللاجئون" خرجوا، حسب الأسطورة القومية اليهودية، إلى المهجر لفترة طويلة جدًا، تنقلوا عبر البحور والقارات، وصلوا إلى آخر العالم وفي النهاية ومع مجيء الصهيونية فعلوا خلفًا دُر ورجعوا إلى موطنهم القديم، الأرض التي لم تكن يومًا ملكًا "للمحتلين" العرب، ومن هنا الحق اليهودي على "الأرض بدون شعب" الموعودة "للشعب بدون ارض". هذه المقولة التي هي محض الخيال التاريخي الذي ارتكز على بدعة الإجلاء. ورغم أن معظم المؤرخين المهنيين يعرفون معرفة اليقين أن اليهود لم يطردوا بالقوة من أراضيهم، أتاحوا لهذه الأسطورة التي أصبحت قسمًا من التراث اليهودي أن تتداول في الحيّز العام وفي المؤسسات التربوية لكي تصقل الذاكرة الجمعية اليهودية. بل هم شجعوا ترسيخ تلك الأسطورة، معرفة منهم ان هذه الأسطورة تعطي تسويغًًا اخلاقياً لاغتصاب واستيطان "الشعب الذي أجلى عن وطنه"، على الأرض التي سكنها الآخرون".
حسب البحث المعمق والمستفيض والسباق الذي اجراه البروفسور زاند، اليهود عمليًا لم يطردوا، بل بقوا في معظمهم في هذه الأرض، ولكن فيما بعد اختلطوا بالشعوب التي احتلت المنطقة مثل اليونانيين، الفرس، العرب، المصريين والصليبيين. ومعظم اليهود عمليًا اعتنقوا الإسلام، كما كتب سنة 1967 المؤرخ أبراهم بولاك مؤسس قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب. زاند عمليًا يفترض أن معظم النصوص الدينية اليهودية هي أساطير ليس إلا، وليست مستندات تاريخية يمكن الاعتماد عليها لبناء هوية الشعب اليهودي. وهو يدعم قوله بأنه إلى هذا اليوم لم توجد أي مستندات عينية أثرية تثبت صحة السرد الديني. يتساءل زاند كيف لم يوجد أي أثر لقصة خروج اليهود (حوالي ثلاثة ملايين) من مصر، والذين تاهوا في الصحراء لمدة 40 سنة؟! ولذلك وبناء على ما تقدم يعتبر احتلال شعب إسرائيل لأرض الكناعنة أسطورة ليس إلا. ويضيف زاند بان رغم الطاقة الكبيرة التي بذلت على يد رجال الآثار، خاصة بعد احتلال الضفة والقطاع سنة 1967، لم يعثروا على اي اثر ملموس لكيان مملكة داود وسليمان والذي يعتزم وجودها في القرن العاشر قبل الميلاد.
يوضّح زاند في كتابه، بما ان الشعب اليهودي لم يطرد قبل الفي عام من ارض إسرائيل، فمن عاد واغتصب الأرض في بداية القرن الماضي هم لا يمتوا بصلة أصلاً لليهود الذين عاشوا في المنطقة في بداية القرن الأول بعد الميلاد. الذين "عادوا" هم عمليًا نسل شعوب من الشرق والغرب اعتنقوا اليهودية في أزمنة مختلفة. كذا مثلاً مملكة حيمر في جنوب الجزيرة العربية اتي اعتنقت اليهودية منذ اوائل القرن الرابع، وكذا امبورطية الخزر(ממלכת הכוזרים)، التي امتدت من البحر الأسود الى بحر قزوين، على ضفاف نهر الفولكا في شمال القفقاز والتي اعتنق غالبية سكانها اليهودية في القرن الثامن. الأمبروطية التي قضى عليها المد المنغولي نهائياً في القرن الثالث عشر، وفي أعقاب ذلك هاجر اغلبية اليهود إلى بلاد شرق أوروبا، بولندا، اوكرانيا، ليطا وقلة منهم بقي ليعيش على جبال القفقاز.
الحركة الصهيونية والمؤرخون الذين عملوا في ظلها والذين نصوا التاريخ، ومن بعد مناهج التعليم بموجب تلك النصوص، يغيّبون تمامًا ذلك التاريخ. يغيبون تماماً ممالك حيمر والخزر ، التي اعتنقت اليهودية، والتي عمليًا انتشر منها اليهود في أوروبا. اليهود الذين "عادوا"، في بداية القرن الماضي لاغتصاب ارض فلسطين. يغيبون ذلك التاريخ ليؤكدوا على أسطورة عودة اليهود الذين طردوا من أرضهم بعد غياب ألفَي عام عنها.
جيرت كما رأينا الحركة الصهيونية بواسطة مؤرخيها، وفيما بعد أدبائها ورجال الفكر والصحافة، الخطاب السردي لكي تعطي تسويغًا منطقيًا واخلاقيًا لاحتلالها لأرض فلسطين وإقامة دولة اسرائيل عليها. والسيطرة على الخطاب كما قال سعيد، يدعم ويرسخ السيطرة على الأرض، وذلك إحدى ميزات الحركة الكولنيالية الاوربية التي امتدت من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين.
ايلان بابه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، خدش السرد الصهيوني(واضطر دفع الثمن بالهجرة من البلاد)، حين عرى وفضح الأكذوبة إن اليهود هم الحَمَل الوديع الذي انقضت عليه الجيوش العربية لتفترسه، وإنه دافع عن نفسه ليس إلا. فضح مخطط بن غوريون المسبق للاستيلاء على اكبر قدر من فلسطين مع اقل عدد من الفلسطينيين. واليوم يجيء زاند ليفضح أكذوبة وأسطورة شعب الذي عاد إلى أرضه بعد الفي عام من التشرد. وكذا تبقى الحركة الصهيونية كحركة كولونيالية غربية، ليس إلا، غزت المنطقة بقوة السلاح لأغراض استيطانية بحته. بقي أن نتساءل لماذا نحن ننتظر ايلان بايه وشلومر زاند لتعرية الكذبة الصهيونية وتصحيح التاريخ. أين المؤرخون الفلسطينيون والعرب، من هذه المهمة الملقاة على عاتقهم.
سعيد يكمل ويقول في الفقرة التي بدأت بها هذه المداخلة:"...... والأكثر أهمية هو أن السرديات الجليلة الكبرى للتحرر والتنوير قد جندت الشعوب في العالم المستعمر وحفزتها على الانتفاض وخلع نير الامبريالية، وخلال هذه العملية، هزت تلك القصص وأبطالها العديد من الأوروبيين والأمريكيين، ايضًا، فقاموا هم بدورهم بالصراع من اجل سرديات جديدة للمساواة والروح الحميمة الإنسانية". عندنا كما دائمًا الأمور تأتي بالعكس، فكانت انتفاضة ولكن لم تستند على سرديات ثورية، ولم تدعمها وتسندها أفكار تقوض السرد الصهيوني- الإسرائيلي. قوضت تلك الإنتفاضة موازين القوى بعض الشيء لكنها لم تقوض السرد الصهيوني المهيمن على الغرب بل احياناً علينا انفسنا. والسيطرة على السرديات،احياناً، قوة لا تقل اهمية عن السيطرة العسكرية. وما بقي لنا أن ننضم إلى الدور الذي قام به بابه وزاند والمساهمة في بناء السرد التحرري من اجل منطقة حرة وعادلة، من اجل مجتمع إنساني وأخلاقي، من اجل كشف الحقيقة واحقاق الحق. 
|